عبد الملك الجويني

57

الشامل في أصول الدين

سؤال آخر ، فإن قال قائل : العرض عندكم إذا قام بجوهر فقد اختص به ، مع جواز أن يختص بغيره ، فلا يخلو إما أن تقولوا إنه اختص به لمقتض ، فيلزمكم مثل ذلك في الجوهر المختص بجهة من الجهات . وإن قلتم : إن العرض اختص بمحله لمعنى ، لزمكم تجويز قيام المعنى بالمعنى ، ثم يتسلسل القول فيه . وقد اختلفت طرق المحققين في الجواب : فصار صائرون إلى أن العرض يختص بمحله لنفسه ، وربما يرتضيه شيخنا في بعض كتبه . وهذا القائل يقول إن العرض المختص بمحله لا يجوز تقديره في غير محله ، ولو أعيد لا يعاد إلا في محله ، ويمنع هذا القائل تماثل بياضين في محلين من حيث اختص كل واحد من العرضين بحكم لا يجوز على الثاني ، ولا يتحقق التماثل إلا مع التساوي في جميع صفات النفس . ومن سلك هذه الطريقة هان عليه دفع السؤال . فإنه يقول للخصم : لا يستمر لك في الجوهر ؛ ما قلت في العرض ، إذ لو قلت : يختص الجوهر بجهة لنفسه ، للزم دوام اختصاصه بها ما دامت نفسه وليس الأمر كذلك . وسلك بعض الأئمة طريقة أخرى فقال : إنما اختص العرض لمحله بقصد قاصد إلى تخصيصه لمحله . ولو قصد إلى تخصيصه بغيره لجاز ، فقد ثبت لاختصاص العرض - مقتضى - وهو القصد في تخصيصه . وليس يتحقق ذلك في الجوهر ، فإنه في حالة بقائه لا تتعلق القدرة والإرادة به ، وليس للعرض حالة بقاء ، بل يحدث ويعدم في الحالة الثانية . فإن قيل : إن استمر لكم الفرق في بقاء الجوهر ، فما قولكم في أول حال حدوثه ، وهو عند ذلك مقدور عندكم ؟ فقولوا : إن مقتضى له اختصاصه بجهة في الحالة الأولى ، القصد ، كما قلتموه في الأعراض . الجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما : أنه إذا ثبت للجوهر اختصاص في حالة يستحيل إضافة الاختصاص فيها إلى القدرة والقصد ، وحكم الاختصاص في الأولى حكم الاختصاص في الحالة الثانية ، فإذا خرج أحد الاختصاصين عن اقتضاء القصد ، فالذي هو مثله خارج عن اقتضاء القصد وليس للعرض حالتان . على أنا نقول : لو كان اختصاص الجوهر بالجهة في الحالة الأولى من أثر قصد القادر ، لدام ذلك مع جواز الدوام ، ولم يزل إلا بطار [ ىء ] وحادث وثبوت مقتضى ، وهذا كما أن الوجود في الذي يجوز بقاؤه لما كان من أن القدرة لم تزل من غير مقتض ، واختصاص الجوهر بالجهة الأولى يزول ، فيختص بغيرها ، وهذا واضح في الانفصال .